تدخل مخزن أي شركة أو مؤسسة أو جمعية تعاونية، تجد بضاعة مرصوصة قيمتها الدفترية مليونا دينار أو أكثر. في الميزانية مكتوبة: «أصول متداولة – مخزون». الرقم صحيح دفتريًا، لكنه لا يقول كل الحقيقة.
في الواقع قد تجد أن نسبة كبيرة من هذا المخزون منتهية الصلاحية أو راكدة أو تالفة. الميزانية لا تكذب، لكنها لا تكشف المخاطر المخفية. المخزون في هذه الحالة ليس أصلاً صحيًا، بل يمكن أن يتحول إلى مصدر خسائر وتمويل غير معلن.
1. الحيلة القديمة: التكلفة تنجيك
المعيار الأساسي IAS 2 واضح: يُقيَّم المخزون بالتكلفة أو صافي القيمة القابلة للتحقق (NRV) أيهما أقل. لكن ماذا يحدث عمليًا في كثير من شركات ومؤسسات والجمعيات؟
- المحاسب يسجل بالتكلفة كاملة دون مراجعة دورية.
- لا يُفحص تاريخ انتهاء الصلاحية بشكل منهجي.
- لا يُراجع معدل حركة الأصناف الراكدة.
النتيجة: ربح وهمي، لأن الخسارة لم تُعترف بها في الوقت المناسب. الخسارة لا تحدث يوم التلف، بل تبدأ من يوم الشراء أو سوء التخزين أو ضعف التخطيط.
مثال توضيحي: اشتريت كمية من الحليب بتكلفة 10,000 دينار. انتهت صلاحيتها وأصبحت قيمتها الحقيقية صفرًا، لكنها ما زالت مسجلة في الميزانية بنفس المبلغ. الرقم الدفتري صحيح شكليًا، لكنه يخفي خسارة حقيقية.
2. عرض الخسائر في القوائم المالية
المعيار الأساسي لتخفيض المخزون هو IAS 2. أما IFRS 18 (المتعلق بالعرض والإفصاح في القوائم المالية) فيجعل طريقة عرض هذه الخسائر أوضح، بحيث تظهر ضمن بنود التشغيل وليست مخفية في مصاريف عمومية وإدارية.
النتيجة العملية:
- أي خسارة انخفاض في قيمة المخزون تُعرض ضمن نتائج التشغيل.
- يجب الإفصاح عن طريقة تسعير المخزون (FIFO أو المتوسط المرجح).
- يجب الإفصاح عن مبلغ التخفيض المحمل على الفترة.
بمعنى آخر: لم يعد من السهل تجميل مجمل الربح بإخفاء خسائر المخزون.
3. ثلاث علامات على أن مخزونك قنبلة
في شركتك أو مؤسستك أو جمعيتك، اسأل المحاسب هذه الأسئلة الثلاثة:
أ – كم عدد أيام بقاء البضاعة (Stock Days)؟ الطبيعي في هذه يتراوح غالبًا بين 25 و35 يومًا حسب طبيعة الأصناف. إذا وصل الرقم إلى 60 يومًا أو أكثر، فأنت تمول بضاعة راكدة من أموال المساهمين.
ب – كم نسبة التالف والمنتهي شهريًا؟ إذا تجاوزت النسبة 1.5% من المشتريات بشكل مستمر، فالمشكلة إما في سياسة الشراء أو في ظروف التخزين أو في ضعف التنبؤ بالمبيعات.
ج – هل يوجد تقرير أعمار مخزون؟ مثل تقرير أعمار المدينين. أي صنف لم يتحرك خلال 90 يومًا هو مشروع خسارة محتملة ويجب مراجعته فورًا.
4. الأسباب الجذرية (ليست محاسبية فقط)
المشكلة غالبًا أعمق من التسجيل المحاسبي. من أبرز الأسباب:
- شراء كميات كبيرة بسبب عروض الموردين أو «الخوف من النقص».
- غياب نظام تنبيهات آلي لتواريخ الصلاحية.
- ضعف الربط بين المشتريات والمبيعات الفعلية (تنبؤ ضعيف).
- عدم وجود سياسة مكتوبة ومعتمدة لتخفيض المخزون ومراجعتها دوريًا.
5. الحل العملي لمجلس الإدارة
لا تكتفِ بتقرير مخزون تقليدي. اطلب التقارير التالية بشكل دوري:
- تقرير NRV شهري: قائمة بأي صنف تكلفته أعلى من سعر بيعه الحالي مطروحًا منه مصاريف البيع المتوقعة.
- تقرير الراكد: كل صنف لم يُبع خلال 90 يومًا.
- تقرير دوران المخزون حسب الفئة: لأن بعض الفئات (أغذية، مواد تنظيف، إلخ) طبيعتها أبطأ من غيرها، فيجب المقارنة داخل كل فئة.
والقرار المطلوب:
- تخفيض فوري وبيع البضاعة الراكدة أو قريبة الانتهاء.
- تحميل الخسارة على نفس الفترة التي تم فيها الاكتشاف.
- محاسبة مسؤول المشتريات إلى جانب أمين المخزن.
- اعتماد سياسة مكتوبة لتخفيض المخزون ومراجعتها ربع سنويًا على الأقل.
الخاتمة
كثيراً من الشركات أو المؤسسات أو الجمعيات التي أفلست في الكويت لم تفلس بسبب قلة المبيعات، أفلست بسبب مخزون كان مسجلاً بملايين على الورق، بينما قيمته الحقيقية أقل بكثير. الفرق كان يموله الموردون والدائنون… حتى انفجرت القنبلة.
الميزانية القوية ليست التي فيها مخزون كبير. الميزانية القوية هي التي فيها مخزون سريع الدوران ونظيف.